عودة إلى البداية.. لماذا دعمت قطر الإرهاب؟

  • قطر دعمت الإرهاب في سوريا طمعا في السيطرة على السوق الأوربية للبترول

غضب العالم من ممارسات قطر بعد أن ذاق الويلات جراء اتساع مناطق سيطرة الكيانات الإرهابية، وتمثلت مطالب الدول المقاطعة للدولة الشقيقة في وقف دعم وتمويل الإرهاب والتدخل في شؤون جيرانها العرب.

ليس خفيا على أحد أن قطر تدعم الإرهاب في الدول وتموله ولكن هلا تساءلنا لماذا أقدمت قطر منذ البداية على دعم منظمات إرهابية في محيطها الإقليمي؟! هناك أبعاد أخرى علينا فهما، فقد كان الدافع الاقتصادي بطلا رئيسا في تحرك قطر تجاه هذا النوع من الممارسات.

سوق الطاقة الأوروبي

بدأت قصة دعم قطر للإرهاب برغبتها المحمومة في المنافسة على سوق الطاقة الأوروبي الواعد وذلك في ظل رغبة أوروبية بتقليل الاعتماد على النفط الروسي.

وكان الحل الواقعي لقطر للمنافسة على هذا السوق الأوروبي هو مد أنابيب تمر من خلال سوريا للوصول بالغاز القطري إلى تركيا حيث يتم تسييله ثم تصديره إلى الجانب الأوروبي. وكما هو متوقع فقد رفضت سوريا (وهي حليف رئيسي لروسيا) تمرير هذه الأنابيب عبر أراضيها حتى لا تنافس قطر روسيا في سوق الطاقة الأوروبي.

هذا الرفض من جانب سوريا دفع قطر للتفكير في إطاحة النظام الحاكم في سوريا، فحاولت قطر بكل الوسائل إزاحة نظام الأسد من السلطة واستبداله بنظام حليف لها لكي تتمكن من مد هذه الأنابيب. ولذا لم تتردد قطر فى دعم العديد من المنظمات الإرهابية فى سوريا مثل "داعش" وغيرها لتصل إلى هدفها المذكور.

تخلص من كل المنافسين

ولم يقف الطموح القطري عند هذا الحد فقط بل حاولت قدر استطاعتها زعزعة الدول العربية الأخرى التي قد تنافسها مستقبلا في سوق الطاقة الأوروبية. فعلى سبيل المثال حاولت قطر السيطرة على مصر من خلال دعم الإخوان المسلمين المتحالفين معها ثم دعم منظمات إرهابية بداخل الدولة المصرية ولم تتردد قطر أيضا في دعم قوى الإرهاب في ليبيا وفي العراق

فمصر تبعا لما ذكرته جريدة نيويورك تايمز تمتلك واحدا من أكبر الاكتشافات البترولية في البحر المتوسط، تستطيع من خلاله منافسة قطر على سوق الطاقة الأوروبي.

وتمتلك ليبيا خامس الاحتياط العالمي من الصخور البترولية القابلة للاستغلال والذي يجعلها منافسا محتملا وشرسا في السوق الأوروبي خاصة مع قرب الحدود بين ليبيا وأوروبا؛ ولذا فكان إضعاف ليبيا من خلال دعم قوى الإرهاب بها إحدى الوسائل للإطاحة بالمنافس الليبي المحتمل. 

أما دعم داعش فى العراق فكان يهدف إلى إقامة كيان سني يعوق قدرة إيران المنبوذة سياسيا واقتصاديا حينذاك!، من الحصول على منفذ للوصول بمنتجاتها البترولية للبحر المتوسط عبر العراق ثم سوريا.

وانطلاقا من هذه الشواهد، فإن دعم الإرهاب في سوريا ومصر وليبيا والعراق أصبح هدفا اقتصاديا وبعدا استراتيجيا للنظام القطري.

الإخوان مفتاح التطرف

وفي هذا الصدد يقول د.توفيق حميد الباحث في مجال الإسلام السياسي، إن ما ساعد قطر على تنفيذ هذا المخطط الجهنمي هو تحالفها مع الإخوان المسلمين، الذين هم من ناحية يحلمون بحكم مصر منذ أنشأهم حسن البنا عام 1928 ولديهم فيها قاعدة شعبية عريضة، ومن ناحية أخرى هم على علاقة طيبة بمعظم الجماعات الإسلامية المتطرفة فى عدة دول نظرا لانتمائهم جميعا لفكر مفكر الإخوان المسلمين وفيلسوفهم "الأعظم" سيد قطب.

وتصادف في الوقت نفسه أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما كانت تحارب صناعة استخراج الطاقة من الصخر البترولي (الموجود بوفرة فى الولايات المتحدة) وذلك لأن نجاح هذه الصناعة سيقلل وبشدة من الاستثمار في "الطاقة البديلة" وهي التي يعتبرها نظام أوباما محورا رئيسا في أجندتهم المستقبلية.

وكان وصول الغاز القطري إلى أوروبا بسعر منخفض عاملا مؤثرا وهاما لإحباط الرغبة في الاستثمار في الصخور البترولية في العقدين القادمين مما كان سيعطي الفرصة لنمو وتطوير "الطاقة البديلة" لكي تحل محل الطاقة المستخرجة من البترول. ولذا فليس من المستغرب أن نرى رغبة عارمة من نظام أوباما في القضاء على نظام بشار الأسد وذلك كما ذكرنا لكي يتم وصول الغاز القطري إلى أوروبا بسعر زهيد، مما كان سيقلل من اتجاه الأموال للاستثمار في الصخر البترولي. والأخير بمقدوره وحده أن يمد العالم بالطاقة لعدة عقود مستقبلية وبالتالي يحبط تماما اتجاه الاستثمار في الطاقة البديلة.

قطر - إيران - تركيا

وكان البديل الوحيد لوصول الغاز القطري إلى أوروبا بسعر رخيص في حالة عدم سقوط نظام الأسد هو أن تتعاون قطر مع إيران لإيصال الغاز من الحقل القطري الإيراني في منطقة الخليج العربي (وهو ما يعد أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم) في أنابيب تمر عبر إيران لتصل عبر الحدود إلى تركيا ثم إلى أوروبا.

وقد كان هذا الباب مغلقا تماما أمام قطر بسبب وجود حظر على التعامل مع إيران. ولذا فقد كانت قطر تحاول استخدام أي وسيلة لإسقاط الأسد لكي تستطيع مد هذه الأنابيب إلى أوروبا حتى لو دعاهم ذلك إلى دعم الإرهاب في سوريا.

وعلى ما يبدو، فإن إدارة أوباما بعد أن أدركت صعوبة إزاحة نظام الأسد قررت دعم الاتفاق النووي الإيراني والذي يخفض من العقوبات على إيران مما يسمح بوصول الغاز القطري من خلال أنابيب تمر عبر إيران لتصل إلى أوروبا بسعر مناسب. وانتظر القطريون الانتخابات الأميركية على أمل أن تأتي هيلارى كلينتون لتكمل مسيرة أوباما فى إزاحة نظام الأسد أو على الأقل تبقي على الاتفاق مع إيران كحل بديل لوصول الغاز القطري إلى أوروبا. ولكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن فخسرت هيلارى وجاء ترامب رئيسا للولايات المتحدة.

صدمة ترامب

وحدثت صدمة لقطر بعد مجيء إدارة الرئيس ترامب، فقد كان من الواضح أن إزاحة نظام الأسد لم تكن ضمن أولويات النظام الأميركي الجديد، ففقد النظام القطري أي بصيص أمل في إزاحة قريبة للأسد ومن ثمَّ ارتمى بكل ثقله في أحضان النظام الإيراني لمد أنابيب الغاز القطري من خلال إيران إلى تركيا ثم أوروبا.

والمتابع للأحداث في المنطقة قد يستوعب الآن كيف أن قطر التي كانت تدعم القوى المناوئة للأسد والتي كانت تقاتل بشراسة القوى الإيرانية الداعمة له، تحولت بين عشيةٍ وضحاها إلى حليف لذلك "العدو" الإيراني الذي كانت تقاتله بالأمس القريب على الأراضي السورية.

والآن وبعد أن وضعت قطر كل رهانها على طهران تأتي الرياح مرة أخرى بما لا تشتهى السفن القطرية ويعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب موقفا جديدا للإدارة الأميركية من إيران وإشارات ضمنية لاحتمال تراجع أميركا عن الاتفاق النووي مع إيران.

وإن حدث ذلك فقد يصبح من الصعوبة بمكان إن لم يكن من المستحيل أن تصدّر قطر غازها الطبيعي من خلال إيران (وهو الأمل الوحيد الباقي لها لتصدير الغاز القطرى إلى أوروبا!). و ستكون قطر فى هذه الحالة مضطرة إلى التراجع عن الكثير من مواقفها السابقة والاتجاه مرةً أخرى إلى التعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي.

فهل تقرأ قطر مجريات الأمور وتعود قريبا إلى الحضن الخليجي قبل فوات الأوان؟!

إقرأ أيضًا