فزع قطري من الحماية الدولية لهرمز

  • مضيق هرمز

تناقض ليس بغريب على سياسات النظام القطري، أظهرته انتقادات رئيس الوزراء السابق، حمد بن جاسم، للسعودية بعد الاستعانة بقوات أمريكية لحماية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، بعد العبث الإيراني المتواصل بأمنه، في وقت تسعى فيه قطر حثيثا لتوسيع الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، وزيادة التغلغل العسكري التركي بها.

تغريدات بن جاسم، التي سبقها بيان هزيل من وزارة الخارجية القطرية، أعربت خلاله عن قلقها من التطورات الخطيرة في مضيق هرمز، دون الإشارة لما تقوم به إيران، يحمل 3 دلالات مهمة، أولها: تناقضات السياسة الخارجية القطرية، التي لم تعد بمستغربة على سياسات الحمدين، وثانيها: وجود حالة فزع قطري من تحرك دولي جاد يستهدف النظام الإيراني الحليف لهم، كذلك محاولة استغلال الأمر لتبرير موقف نظام تميم في الاستعانة بقوات أمريكية وتركية على أراضيه.

وتتصاعد حدة التوتر في المنطقة بين إيران والولايات المتحدة ومن ورائها القوى الغربية، إثر قيام إيران بتهديد أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي، وارتفعت موجة التصعيد مع احتجاز مليشيا الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط بريطانية في المضيق يوم الجمعة الماضي، وهو ما اعتبرته لندن "قرصنة دولة". 

فقبل أيام تعرض أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني لحرج بالغ، عندما كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تكفل الدوحة بإنفاق 8 مليارات دولار لتوسيع قاعدة العديد الأمريكية، في خطوة تستهدف منها قطر توسيع الوجود الأمريكي على أراضيها. 

ويتمركز في قاعدة العديد الجوية نحو 11 ألف عسكري أمريكي، غالبيتهم من سلاح الجو، وتضم القاعدة المقرات الرئيسية لكل من القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية والمركز المشترك للعمليات الجوية والفضائية والجناح الـ379 للبعثات الجوية. 

وإضافة إلى القاعدة الأمريكية، توجد قاعدة عسكرية تركية بقطر، ضمن اتفاقية تعاون عسكري وقعها البلدان في 19 ديسمبر 2014، وصادق البرلمان التركي عليها في 7 يونيو 2017، بعد يومين فقط من مقاطعة الدول الداعية لمكافحة الإرهاب للنظام القطري. 

وكشف موقع "نورديك مونيتور" السويدي، في يناير الماضي، عن البنود السرية للاتفاقية العسكرية التركية القطرية التي تنازلت فيها الدوحة عن سيادتها لتركيا، والتي بموجبها نشرت أنقرة آلاف الجنود الأتراك في قطر، فإنه يمنع ملاحقة أي جندي تركي موجود في قطر، ولا تجوز محاكمته في حال ارتكابه أي انتهاكات قانونية، وأنه في حال ارتكب أي منهم مخالفة أو جريمة فإن القضاء التركي هو الذي يختص بالنظر فيها، كما منعت السلطات القطرية من اعتقال أي جندي تركي ينتهك القوانين أو المعتقدات الدينية. 

وحسب الموقع السويدي، فإن الاتفاقية العسكرية السرية بين تركيا وقطر "تنطوي على مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى تصعيد مشاركة تركيا في صراعات محتملة قد لا تكون لها علاقة بحماية المصالح القومية التركية"، وهو ما يؤكد أن البنود الغامضة في الاتفاقية تم وضعها بشكل متعمد من أجل تمكين الرئيس أرودغان من الاستفادة منها وبشكل ممنهج. 

ومن بين الشروط والأحكام التي تتضمنها الاتفاقية "تمكين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من استخدام الأجواء والأراضي والقطع البحرية القطرية في عملية الترويج لأيديولوجيته وأفكاره في منطقة الخليج"، إضافة إلى "تحقيق مصالحه وأهدافه الشخصية، بجانب استخدام جيشه في المنطقة". 

أيضاً كشفت البنود السرية في الاتفاق العسكري بين قطر وتركيا الذي نشره الموقع السويدي "نورديك مونيتور" أن الاتفاق يُلزم قطر بتقديم قائمة طويلة جداً من الخدمات المجانية للجنود الأتراك مما لم يسبق أن وافقت عليه أي دولة. 

والأخطر في هذا المجال هو ما أوردته الفقرة الثانية من المادة السادسة بالاتفاقية، والتي تفرض على الجانب القطري أن يتكفل بتكاليف العقود التي يبرمها الأتراك مع أي طرف أو شركة، من أجل الحصول على الخدمات التي لا تستطيع الدوحة أن تقدمها بشكل مباشر، ما يعني أن الجيش التركي قد يبرم عقوداً بملايين الدولارات مع شركات محلية أو أجنبية أو ربما تركية، ومن ثم تقوم الحكومة القطرية بسدادها من خزينتها. 

ولا تتضمن الاتفاقية ما يشير إلى تاريخ انتهاء وجود القوات التركية، كما لا يوجد ما ينص على إطار زمني لخروجهم، وهو ما يعني أنه استغلال طويل الأمد. 

وفي محاولة لإلباس الحق بالباطل، وعبر عقد مقارنة في غير محلها، حاول بين جاسم اعتبار الاستعانة بقوات دولية لحماية الممرات الملاحة الدولية، مبررا لقطر لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، لافتا إلى القاعدتين الأمريكية والتركية. 

وهي مقارنة في غير محلها شكلا وموضوعا، تعكس محاولة واضحة من قبل بن جاسم لقلب الحقائق، فضمان سلامة وحرية الملاحة في المياه الدولية هي مسؤولية جماعية تتقاسمها جميع دول العالم، بالتالي فإن مشاركة القوات الأمريكية إلى جانب قوات من دول أخرى لحماية أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، أمر يأتي بمقتضى القانون الدولي. 

وقد باتت إيران تهدد حركة الملاحة الدولية في أهم ممر مائي في العالم، بعد اختطاف الحرس الثوري الإيراني، مساء الجمعة، ناقلتي نفط بريطانيتين. 

واختطفت مليشيا الحرس الثوري الناقلتين وإحداهما تسمى "ستينا إمبيرو" لدى عبورهما مضيق هرمز، ليصبح ثامن اعتداء تتعرض له ناقلات النفط في هذه المنطقة منذ شهر مايو الماضي. 

ويعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حركة للسفن، حيث يمر عبره خُمس إنتاج العالم من النفط، وعبر هذا المضيق تصدر السعودية 88% من إنتاجها النفطي، والعراق 98%، والإمارات 99%، علاوة على صادرات الكويت والبحرين، وجميعها دول أعضاء في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). 

إضافة إلى النفط الخام، فإن 22% من السلع الأساسية في العالم (الحبوب وخام الحديد والأسمنت) تمر عبر مضيق هرمز، وإغلاقه سيشكل كارثة اقتصادية وغذائية عالمية، بالتأكيد لن تقف عند حدود الشرق الأوسط. 

وبالتالي لا يمكن بحال من الأحوال عقد تلك المقارنة، التي يحاول بن جاسم تبريرها بخبث، شتان بين الاستعانة بدول بموجب القانون الدولي لحماية أمن واقتصاد العالم، وبين دولة تعقد اتفاقية إذعان لدولة أخرى تتنازل بموجبها عن سيادتها بما يهدد أمن وسلامة المنطقة. 

دفاع بن جاسم عن تحالف قطر مع ثلاثي الشر الذي يضم إلى جانب الدوحة كلا من تركيا وإيران فضح تناقضاته بشأن التوترات في مضيق هرمز. فكلاهما لم يجرؤ عن الحديث عن الجرائم والاستفزازات الإيرانية في مضيق هرمز، على العكس تماما اتخذا موقف المدافع عن إيران، بشكل يدلل على عمالة النظام القطري وارتهانه القرار الإيراني؛ الأمر الذي يمنعه من اتخاذ موقف واضح وصريح يدين هذا السلوك.

إقرأ أيضًا